محمد حسين هيكل

200

حياة محمد ( ص )

لا تخرجوا من دياركم وأموالكم ، وأقيموا في حصونكم ؛ فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم . وتشاورت بنو النضير في مقالة ابن أبيّ وهم أشدّ ما يكونون حيرة ؛ فمنهم من لم يكن له بابن أبيّ أية ثقة . ألم يعد بني قينقاع من قبل مثل ما يعد بني النّضير اليوم ، فلمّا جدّ الجدّ تخلّى عنهم وولّى مدبرا ؟ وهم يعلمون أن بني قريظة لا ينصرونهم لما بينهم وبين محمد من عهد . ثم إنهم إن جلوا عن ديارهم إلى خيبر أو إلى محلّة قريبة ، استطاعوا أن يعودوا حين يثمر نخيلهم إلى يثرب ، يجنون ثمره ويعودون أدراجهم فلا يكونون قد خسروا كثيرا . قال كبيرهم حييّ بن أخطب : كلا بل أنا مرسل إلى محمد : إنّا لا نخرج من ديارنا وأموالنا ، فليصنع ما بدا له ، وما علينا إلا أن نرمّ حصوننا ندخل إليها ما شئنا ، وندرّب أزقتنا وننقل الحجارة إليها ، وعندنا من الطعام ما يكفينا سنة ، وماؤنا لا ينقطع ، ولن يحصرنا محمد سنة كاملة . وانقضت الأيّام العشرة ولم يخرجوا من ديارهم . حصار بني النضير فأخذ المسلمون السلاح وساروا إليهم فقاتلوهم عشرين ليلة ، وكانوا أثناءها إذا ظهروا على الدرب أو الديار تأخر اليهود إلى الديار التي من بعدها بعد تخريبهم إيّاها . ثم أمر محمد أصحابه أن يقطعوا نخل اليهود وأن يحرّقوه حتى لا تبقى اليهود في شدّة تعلقها بأموالها تتحمّس للقتال وتقدم عليه . وجزع اليهود ونادوا : يا محمد ، قد كنت تنهى عن الفساد ، وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخل وتحريقها ؟ ! وفي ذلك قوله تعالى : ( ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ) « 1 » . جلاء اليهود عن المدينة وعبثا انتظر اليهود نصر ابن أبيّ أو تقدّم أحد من العرب لنجدتهم ، حتى لم يبق لديهم ريبة في سوء مصيرهم إذا أصروا على متابعة القتال . فلمّا ملأ اليأس قلوبهم رعبا ، سألوا محمدا أن يؤمّنهم على أموالهم ودمائهم وذراريهم حتى يخرجوا من المدينة . فصالحهم محمد على أن يخرجوا منها ، ولكل ثلاثة منهم بعير يحملون عليه ما شاؤوا من مال أو طعام أو شراب ، وليس لهم غيره . واحتمل اليهود وعلى رأسهم حييّ بن أخطب ، فنزل خيبر منهم من نزل وسار آخرون إلى أذرعات بالشام ، وتركوا وراءهم للمسلمين مغانم كثيرة من غلال وسلاح بلغ خمسين درعا وثلاثمائة وأربعين سيفا ، ثم كان ما خلّت اليهود من الأرض التي كانوا يملكون خير ما غنم المسلمون . على أنّ هذه الأرض لم تعتبر أسلاب حرب ، ولذلك لم نقسم بين المسلمين ، بل كانت لرسول اللّه خاصّة يضعها حيث يشاء . وقد قسمها على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار بعد أن استبقى قسما خصصت غلّته للفقراء والمساكين . وبذلك أصبح المهاجرون في غنى عن معونة الأنصار ، وأصبح لهم مثل ثروتهم . ولم يشترك في القسمة من الأنصار إلا أبو دجانة وسهل بن حنيف ؛ فقد ذكرا فقرا فأعطاهما محمد كما أعطى المهاجرين . ولم يسلم من يهود بني النّضير غير رجلين أسلما على أموالهما فأحرزاها . ليس من العسير أن يقدّر الإنسان قيمة نصر المسلمين وإجلاء بني النّضير عن المدينة بعد الذي قدّمنا من تقدير الرسول عليه السلام لما كان يخلقه بقاؤهم من تشجيع عوامل الفتنة ، ومن دعوة المنافقين إلى أن يرفعوا رؤسهم كلما أصاب المسلمين شر ، ومن التهديد بالحرب الأهلية إذا غزا المسلمين غاز من الأعداء . وفي جلاء بني النضير نزلت سورة الحشر ، وفيها : ( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ

--> ( 1 ) سورة الحشر آية 5 .